عبد النبي الشراط في حوار مع جريدة الزمن اللندنية
أجرى الكاتب الصحفي والشاعر العراقي خالد الخفاجي حوارا صحفيا مع السيد عبد النبي الشراط رئيس تحرير جريدة الوطن لفائدة جريدة الزمن اللندنية فيما يلي نصه.
أحبذ نظاما يستمد مشروعيته من الدين
خلال فترة الشباب حرمت نفسي من كل الملذات والشهوات في مقابل الإنتقام لحياة الطفولة حيث حرمت من التعليم
لم يكن في أجندة الخميني محاربة العراق الذي استضافه خمسة عشرة سنة أو تزيد.
- نبدأ من سنوات النضال .. أين حطت بك وماذا جنيت منها؟
– باسمه تعالى
شكرا لك على إتاحة هذه الفرصة أولا, وللإجابة على سؤالك أود أن أؤكد أن سنوات النضال لن تنتهي إلا بنهاية حياة الإنسان نفسه الذي يناضل ويقاتل بوسائل متعددة كي يبقى على قيد الحياة أولا,ومن ثم يحاول أن ينشر العدل بين الناس ويضيء طريق الناس بحسب إمكانياته…
بالنسبة لي فالنضال والجهاد مستمر. نضال من أجل الحياة وجهاد من أجل كسر شوكة النفس الأمارة بالسوء.
أما الشق الثاني من السؤال فإنني لم أجني شيئا وفي نفس الوقت جنيت الكثير. كيف؟ لم أجني شيئا لأنني لم أستفد دنيويا (ماديا) من السنوات التي قصدتها بسؤالك, مثلما استفاد منها الآخرون وجنوا ثمارها وبالتالي أصبحوا تجار مبادئ ونسوا ما كانوا يدعون إليه خلال سنوات (نضالهم) التي أصبحت مجرد ذكرى لهم لا غير…
وعلى سبيل المثال: في منتصف التسبعينيات قرر الملك الراحل الحسن الثاني تحسين صورة المغرب السياسية فتم إطلاق سراح عدد كبير من سجناء الرأي من مختلف السجون ومن مختلف الحساسيات السياسية والفكرية, وكان قبل ذلك قد هيأ للأمر خلال نهاية الثمانينات بإحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان…
وعندما اعتلى العرش المغربي الملك محمد السادس أحدث هو الآخر هيئة الإنصاف والمصالحة, وكان دور هذه الهيئة إحصاء المتضررين مما نسميه في المغرب بسنوات الرصاص ومنحهم,أو عائلاتهم تعويضات مادية مقدرة, وكنت من القلائل الذين رفضوا ملء استمارة هذه الهيئة وبالتالي رفضت أي تعويض مادي مقابل سنوات وأيام وشهور السجون والاعتقالات التي تعرضت لها على خلفية رأيي السياسي وتوجهي الديني, ولم أندم ولا أعتقد أنني سوف أندم يوما على تفريطي في استلام شيك التعويضات, وسبق أن أعلنت رأيي في الموضوع صراحة عبر وسائل إعلام مختلفة, وكان يزال تبريري للرفض ما أعتبره منطقيا ويمكن تلخيصه في الآتي:
كنت من الذين يناضلون من أجل تغيير الوضع القاتم الذي يعيشه الشعب المغربي من فقر وحرمان وقلة الحاجة, في مقابل ما تتمتع به فئة قليلة محظوظة من امتيازات في الحياة. وبما أن الوضع لم يتغير فإنني ما زلت أعتبر نفسي معنيا بتغييره وإن اختلفت السبل, لذلك فإنني لا أرى أي سبب لاستلام منحة من النظام, أو من أي جهة أخرى, وقد تساءلت حينها من أين أتت الدولة بهذه الملايير التي صرفتها للمعتقلين السابقين…
إني أتقزز حين أسمع عبارة "المناضل السابق" وهذه العبارة تطلق عندنا في المغرب على المعتقلين السياسيين السابقين الذين منحوا تعويضات وقبلوها واستمتعوا بها…
لقد كانوا حسب ما تبين الآن أنهم كانوا "يناضلون " من أجل مكاسب دنيوية "مادية" لا غير, وقد قبلوا بنصيبهم من الغنيمة وارتاحوا…
الأمر عندي مختلف, كنت أناضل من أجل إقرار الديمقراطية وما زلت وإن تغيرت الأساليب, مازال رأيي هو رأيي…
أما فترات الاعتقال فهي تتراوح بين 30 و36 مرة في الإجمال, قدمت مرة واحدة للمحاكمة وحكم علي بالسجن النافذ سنة واحدة + الغرامة, أما ما سبق هذه المدة, فلم أكن أقدم للمحاكمة, كنت أبقى ضيفا (مكرما)… عند البوليس, حتى يصدر أمر من جهات عليا بالإفراج عني, وما بين هذه الفترات قضيت ستين يوما تحت الإقامة شبه الإجبارية بمدينة فاس.
- هل أنت رجل دين أو صحفي أو سياسي أو ماذا؟
لست رجل دين بالمفهوم التقليدي الأعمى للكلمة، أنا أومن بالدين وبكل ما جاء به الدين وأحبذ نظاما يستمد مشروعيته من الدين, والدين شيء أساسي وضروري في حياة الشعوب, فأنت حينما تتلقى أمرا من شخص مثلك (سواء كان حاكما أو عالما) فأنت تتعامل مع هذا الأمر طبقا لمصلحتك الخاصة, لأن هذا الأمر صادر من إنسان مثلك, يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق, تراه ويراك, لذلك فأنت تحرص على تعاملك مع هذا الأمر على أنه صادر من قبل إنسان لا غير…
أما حين يكون هذا الأمر صادرا من جهة عليا لا تراها بالعين المجردة لكن بقوة الإيمان تتراءى لك هذه الجهة في كل لحظات حياتك, بمعنى أنك مراقب مراقبة خفية لا تراها, وعلى هذا الأساس فأنت تتعامل مع هذه القوة الخفية بمنطق الخائف في كل اللحظات…
بدأت مشواري السياسي كداعية, اعتليت منابر المساجد وخطبت فيها بين الناس وألقيت محاضرات وأعطيت دروسا في الفقه والعقيدة والسياسة. وربما تفاجأ إذا قلت لك بأنني أعتقلت لأول مرة في حياتي وأنا ألقي خطبة الجمعة وكان موضوعها عن القضاء في الإسلام.. إنك لا تتصور أن تكون على درج المنبر وداخل حرم المسجد والناس ينصتون إليك في خشوع.. وفجأة تداهم المسجد قوة تابعة للنظام فتأمرك بالنزول من على المنبر وتسوقك إلى مكان مجهول, ويبقى الناس بلا إمام يكمل معهم صلاة الجمعة.. قل لي بالله: هل يمكنك أن تأخذ تعويضا ماديا من الدولة عن هذا التصرف الأحمق؟ علما أنني كنت في ذات المسجد خطيبا متطوعا وأنا من أسست هذا المسجد وأنا من ألقى أول خطبة جمعة به؟ هل يستسيغ الضمير أخذ مقابل مادي من الدولة على هذا الإرهاب, علما أن خطبي لم تكن تدعوا إلى قلب نظام الحكم وإعلان الثورة على النظام, كان شعاري في الدعوة "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.." لكنني في المقابل لم أكن أسكت على منكر دون أن أعمل على تغييره…
واستكمالا لهذا السؤال أو استدراكا فأنا من حفظة القرآن الكريم وخريج معهد ديني.. وإتماما للسؤال فإن الصحافة كانت بالنسبة لي مجرد هواية في بداية الأمر, فأنا لم أدرس الصحافة في المعاهد المتخصصة لكنني اكتسبتها بالخبرة والتجربة والممارسة, وبالتالي رأيتها (الصحافة) واجهة جيدة للدعوة وأنا أمارس الصحافة بالإحتراف منذ أكثر من 20سنة.
وأنا أيضا سياسي بالفكر والممارسة ولا أومن بسياسة الأحزاب, لأن الأحزاب يجتمع أفرادها على أساس مصالح معينة ويناضلون بالتالي من أجل مكاسب محددة, وأنت تعلم خلال إقامتك معنا بالمغرب أنني بعيد جدا عن هذه المطامع بالرغم من العروض والإغراءات…
- الذي طرأ على تغيرك ليس بالأمر السهل, فكيف تحولت عن دورك كرجل دين وتقمصت إنسان آخر وما هو هذا الإنسان؟
– إذا قلت لم يطرأ على شخصي أي تغيير فسوف أكون كذابا "ومازال المرء يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا .. كما في الحديث"
وبما أن الكذب يعتبر سلاح الضعفاء فإنني لا أحبذ هذا السلاح, كنت متدينا جدا ولم أعد كذلك, كنت عنيفا جدا مع النفس ولم أعد أعاكسها في عديد من الأمور, وأنا حين أضع مقارنة لصورتي الماضية مع صورتي الحاضرة ألاحظ فعلا أن هناك فرقا, لقد كنت ملتحيا فأصبحت حليق الذقن. وكنت لا أدخن فعدت مدمنا على التدخين.. وأمور كثيرة تغيرت…
لكن الذي لم يتغير والحمد لله. هو إيماني بالله القوي الغفور الرحيم ,كما أن مبادئي الأساسية في الحياة لم يطرأ عليها أي تغيير إطلاقا, هناك معالم مازالت في طريقي أقف عندها, وهناك حدود لم أتجوازها وكل التغيرات التي طرأت هي تغيرات مع الذات والنفس لا غير, الإيمان واحترام حقوق الناس هما شعاري في المرحلة الحالية…
ولا أعتقد أن النفس سوف تستمر على هواها, فلا بد أن يأتي يوم تمسك فيه هذه النفس عن متطلباتها..
لعلك الآن تتساءل عن الأسباب.. ولن أعطيك فرصة لتطرح هذا السؤال سأعفيك بالإجابة قبل أن تسأل.
إن ما مر بي طوال حياتي منذ الصبا والطفولة ليس أمرا هينا, وما مررت به في خلال فترة الشباب ليس هينا كذلك, لذلك فإن كل مرحلة تنتقم من سابقتها…
في طفولتي عشت يتيما بوجود الأبوين.. (وتلك قصة أخرى) وخلال فترة الشباب حرمت نفسي من كل الملذات والشهوات في مقابل الإنتقام لحياة الطفولة, حيث حرمت في تلك المرحلة من التعليم, ولما جاءت فترة الشباب وجدت نفسي متعطشا لطلب العلم والمعرفة فكان الإنتقام من هذه النفس بحرمانها من كل شيء حتى (شرب القهوة والشاي) وبحكم المنطق فإن النفس لها أيضا حق..ولا بد لهذه النفس أن تتوقف يوما عن طلباتها.. كما أسلفت..
- كيف تحلل ما هية العلاقة بين الدين والسياسة؟
بين الدين والسياسة علاقة جدلية وأبدية, فكل ما هو ديني سياسي والعكس, وأنا من دعاة المزج بين الدين والدنيا (والسياسة) وحتى ا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |