عبد النبي الشراط في حوار مع جريدة الزمن اللندنية
أجرى الكاتب الصحفي والشاعر العراقي خالد الخفاجي حوارا صحفيا مع السيد عبد النبي الشراط رئيس تحرير جريدة الوطن لفائدة جريدة الزمن اللندنية فيما يلي نصه.
أحبذ نظاما يستمد مشروعيته من الدين
خلال فترة الشباب حرمت نفسي من كل الملذات والشهوات في مقابل الإنتقام لحياة الطفولة حيث حرمت من التعليم
لم يكن في أجندة الخميني محاربة العراق الذي استضافه خمسة عشرة سنة أو تزيد.
- نبدأ من سنوات النضال .. أين حطت بك وماذا جنيت منها؟
-- باسمه تعالى
شكرا لك على إتاحة هذه الفرصة أولا, وللإجابة على سؤالك أود أن أؤكد أن سنوات النضال لن تنتهي إلا بنهاية حياة الإنسان نفسه الذي يناضل ويقاتل بوسائل متعددة كي يبقى على قيد الحياة أولا,ومن ثم يحاول أن ينشر العدل بين الناس ويضيء طريق الناس بحسب إمكانياته…
بالنسبة لي فالنضال والجهاد مستمر. نضال من أجل الحياة وجهاد من أجل كسر شوكة النفس الأمارة بالسوء.
أما الشق الثاني من السؤال فإنني لم أجني شيئا وفي نفس الوقت جنيت الكثير. كيف؟ لم أجني شيئا لأنني لم أستفد دنيويا (ماديا) من السنوات التي قصدتها بسؤالك, مثلما استفاد منها الآخرون وجنوا ثمارها وبالتالي أصبحوا تجار مبادئ ونسوا ما كانوا يدعون إليه خلال سنوات (نضالهم) التي أصبحت مجرد ذكرى لهم لا غير…
وعلى سبيل المثال: في منتصف التسبعينيات قرر الملك الراحل الحسن الثاني تحسين صورة المغرب السياسية فتم إطلاق سراح عدد كبير من سجناء الرأي من مختلف السجون ومن مختلف الحساسيات السياسية والفكرية, وكان قبل ذلك قد هيأ للأمر خلال نهاية الثمانينات بإحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان…
وعندما اعتلى العرش المغربي الملك محمد السادس أحدث هو الآخر هيئة الإنصاف والمصالحة, وكان دور هذه الهيئة إحصاء المتضررين مما نسميه في المغرب بسنوات الرصاص ومنحهم,أو عائلاتهم تعويضات مادية مقدرة, وكنت من القلائل الذين رفضوا ملء استمارة هذه الهيئة وبالتالي رفضت أي تعويض مادي مقابل سنوات وأيام وشهور السجون والاعتقالات التي تعرضت لها على خلفية رأيي السياسي وتوجهي الديني, ولم أندم ولا أعتقد أنني سوف أندم يوما على تفريطي في استلام شيك التعويضات, وسبق أن أعلنت رأيي في الموضوع صراحة عبر وسائل إعلام مختلفة, وكان يزال تبريري للرفض ما أعتبره منطقيا ويمكن تلخيصه في الآتي:
كنت من الذين يناضلون من أجل تغيير الوضع القاتم الذي يعيشه الشعب المغربي من فقر وحرمان وقلة الحاجة, في مقابل ما تتمتع به فئة قليلة محظوظة من امتيازات في الحياة. وبما أن الوضع لم يتغير فإنني ما زلت أعتبر نفسي معنيا بتغييره وإن اختلفت السبل, لذلك فإنني لا أرى أي سبب لاستلام منحة من النظام, أو من أي جهة أخرى, وقد تساءلت حينها من أين أتت الدولة بهذه الملايير التي صرفتها للمعتقلين السابقين…
إني أتقزز حين أسمع عبارة "المناضل السابق" وهذه العبارة تطلق عندنا في المغرب على المعتقلين السياسيين السابقين الذين منحوا تعويضات وقبلوها واستمتعوا بها…
لقد كانوا حسب ما تبين الآن أنهم كانوا "يناضلون " من أجل مكاسب دنيوية "مادية" لا غير, وقد قبلوا بنصيبهم من الغنيمة وارتاحوا…
الأمر عندي مختلف, كنت أناضل من أجل إقرار الديمقراطية وما زلت وإن تغيرت الأساليب, مازال رأيي هو رأيي…
أما فترات الاعتقال فهي تتراوح بين 30 و36 مرة في الإجمال, قدمت مرة واحدة للمحاكمة وحكم علي بالسجن النافذ سنة واحدة + الغرامة, أما ما سبق هذه المدة, فلم أكن أقدم للمحاكمة, كنت أبقى ضيفا (مكرما)… عند البوليس, حتى يصدر أمر من جهات عليا بالإفراج عني, وما بين هذه الفترات قضيت ستين يوما تحت الإقامة شبه الإجبارية بمدينة فاس.
- هل أنت رجل دين أو صحفي أو سياسي أو ماذا؟
لست رجل دين بالمفهوم التقليدي الأعمى للكلمة، أنا أومن بالدين وبكل ما جاء به الدين وأحبذ نظاما يستمد مشروعيته من الدين, والدين شيء أساسي وضروري في حياة الشعوب, فأنت حينما تتلقى أمرا من شخص مثلك (سواء كان حاكما أو عالما) فأنت تتعامل مع هذا الأمر طبقا لمصلحتك الخاصة, لأن هذا الأمر صادر من إنسان مثلك, يأكل ويشرب ويمشي في الأسواق, تراه ويراك, لذلك فأنت تحرص على تعاملك مع هذا الأمر على أنه صادر من قبل إنسان لا غير...
أما حين يكون هذا الأمر صادرا من جهة عليا لا تراها بالعين المجردة لكن بقوة الإيمان تتراءى لك هذه الجهة في كل لحظات حياتك, بمعنى أنك مراقب مراقبة خفية لا تراها, وعلى هذا الأساس فأنت تتعامل مع هذه القوة الخفية بمنطق الخائف في كل اللحظات...
بدأت مشواري السياسي كداعية, اعتليت منابر المساجد وخطبت فيها بين الناس وألقيت محاضرات وأعطيت دروسا في الفقه والعقيدة والسياسة. وربما تفاجأ إذا قلت لك بأنني أعتقلت لأول مرة في حياتي وأنا ألقي خطبة الجمعة وكان موضوعها عن القضاء في الإسلام.. إنك لا تتصور أن تكون على درج المنبر وداخل حرم المسجد والناس ينصتون إليك في خشوع.. وفجأة تداهم المسجد قوة تابعة للنظام فتأمرك بالنزول من على المنبر وتسوقك إلى مكان مجهول, ويبقى الناس بلا إمام يكمل معهم صلاة الجمعة.. قل لي بالله: هل يمكنك أن تأخذ تعويضا ماديا من الدولة عن هذا التصرف الأحمق؟ علما أنني كنت في ذات المسجد خطيبا متطوعا وأنا من أسست هذا المسجد وأنا من ألقى أول خطبة جمعة به؟ هل يستسيغ الضمير أخذ مقابل مادي من الدولة على هذا الإرهاب, علما أن خطبي لم تكن تدعوا إلى قلب نظام الحكم وإعلان الثورة على النظام, كان شعاري في الدعوة "أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.." لكنني في المقابل لم أكن أسكت على منكر دون أن أعمل على تغييره...
واستكمالا لهذا السؤال أو استدراكا فأنا من حفظة القرآن الكريم وخريج معهد ديني.. وإتماما للسؤال فإن الصحافة كانت بالنسبة لي مجرد هواية في بداية الأمر, فأنا لم أدرس الصحافة في المعاهد المتخصصة لكنني اكتسبتها بالخبرة والتجربة والممارسة, وبالتالي رأيتها (الصحافة) واجهة جيدة للدعوة وأنا أمارس الصحافة بالإحتراف منذ أكثر من 20سنة.
وأنا أيضا سياسي بالفكر والممارسة ولا أومن بسياسة الأحزاب, لأن الأحزاب يجتمع أفرادها على أساس مصالح معينة ويناضلون بالتالي من أجل مكاسب محددة, وأنت تعلم خلال إقامتك معنا بالمغرب أنني بعيد جدا عن هذه المطامع بالرغم من العروض والإغراءات...
- الذي طرأ على تغيرك ليس بالأمر السهل, فكيف تحولت عن دورك كرجل دين وتقمصت إنسان آخر وما هو هذا الإنسان؟
-- إذا قلت لم يطرأ على شخصي أي تغيير فسوف أكون كذابا "ومازال المرء يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا .. كما في الحديث"
وبما أن الكذب يعتبر سلاح الضعفاء فإنني لا أحبذ هذا السلاح, كنت متدينا جدا ولم أعد كذلك, كنت عنيفا جدا مع النفس ولم أعد أعاكسها في عديد من الأمور, وأنا حين أضع مقارنة لصورتي الماضية مع صورتي الحاضرة ألاحظ فعلا أن هناك فرقا, لقد كنت ملتحيا فأصبحت حليق الذقن. وكنت لا أدخن فعدت مدمنا على التدخين.. وأمور كثيرة تغيرت...
لكن الذي لم يتغير والحمد لله. هو إيماني بالله القوي الغفور الرحيم ,كما أن مبادئي الأساسية في الحياة لم يطرأ عليها أي تغيير إطلاقا, هناك معالم مازالت في طريقي أقف عندها, وهناك حدود لم أتجوازها وكل التغيرات التي طرأت هي تغيرات مع الذات والنفس لا غير, الإيمان واحترام حقوق الناس هما شعاري في المرحلة الحالية...
ولا أعتقد أن النفس سوف تستمر على هواها, فلا بد أن يأتي يوم تمسك فيه هذه النفس عن متطلباتها..
لعلك الآن تتساءل عن الأسباب.. ولن أعطيك فرصة لتطرح هذا السؤال سأعفيك بالإجابة قبل أن تسأل.
إن ما مر بي طوال حياتي منذ الصبا والطفولة ليس أمرا هينا, وما مررت به في خلال فترة الشباب ليس هينا كذلك, لذلك فإن كل مرحلة تنتقم من سابقتها...
في طفولتي عشت يتيما بوجود الأبوين.. (وتلك قصة أخرى) وخلال فترة الشباب حرمت نفسي من كل الملذات والشهوات في مقابل الإنتقام لحياة الطفولة, حيث حرمت في تلك المرحلة من التعليم, ولما جاءت فترة الشباب وجدت نفسي متعطشا لطلب العلم والمعرفة فكان الإنتقام من هذه النفس بحرمانها من كل شيء حتى (شرب القهوة والشاي) وبحكم المنطق فإن النفس لها أيضا حق..ولا بد لهذه النفس أن تتوقف يوما عن طلباتها.. كما أسلفت..
- كيف تحلل ما هية العلاقة بين الدين والسياسة؟
بين الدين والسياسة علاقة جدلية وأبدية, فكل ما هو ديني سياسي والعكس, وأنا من دعاة المزج بين الدين والدنيا (والسياسة) وحتى الأنظمة التي تدعي أنها علمانية أي تفرق بين الدين والسياسة (وأقصد بالذات أنظمتنا العربية بالتحديد) فهي تفعل ذلك في الأقوال فقط وليس في الممارسات, وهذه الأنظمة بالتحديد هي التي تستغل الدين لفائدة السياسة, فلطالما حاربت أنظمتنا الجماعات والأحزاب السياسية الدينية بدعوى أن هذه الأخيرة تستغل عاطفة الشعوب الدينية لتمرير خطاباتها السياسية,ولكننا نجد العكس هو الصحيح, وفي تجربتي كممارس سابق للخطابة المنبرية فإنني كنت دائما في صراع مع وزارة الأوقاف التي كانت تبعث لخطباء المساجد بخطب جاهزة للإلقاء, خاصة في المناسبات الرسمية إذ كانت خطب وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تربط في خطبها بين الدين والسياسة, وكان محررو هذه الخطب يجتهدون جدا لربط الأحداث الرسمية (الوطنية) بشعارات دينية, أليس هذا إستغلالا للدين تنهجه الدولة في مقابل منعها الآخرين من التحدث بإسم الدين ليبقى هذا الدين حكرا على الدولة وتتصرف فيه كما تشاء, وما كان لدين الله أن يكون حكرا لفئة دون أخرى, لأن الدين جاءت به الرسل والأنبياء من الله لعامة الناس وخاصتهم, ولا يجوز لفئة - ولو كانت هذه الفئة حاكمة – أن تحتكر دين الله على بقية الخلق...
وأنا أرى أن الدين والسياسة صنوان متلازمان...
- الواقع العربي السياسي نسيج من القيادات الدينية والسياسية كيف تفرزها؟
هناك العديد من قادتنا العرب المسلمين وصلوا إلى الحكم بإسم الدين, وفي العصر الحديث جمال عبد الناصر على سبيل المثال حيث كان هذا الأخير عضوا بجماعة الإخوان المسلمين وحينما وصل إلى الحكم تنكر للإخوان وأبادهم إبادة شبه شاملة. في تركيا أيضا صعد تيار نجم الدين أربكان بإسم الدين لكنه لم يستمر بحكم تصادمه مع العسكر, وأرى أن التيار الإسلامي الجديد في تركيا بقيادة طيب رجب أردوغان يمشي في الإتجاه الصحيح لأنه تحاشى الإصطدام مع المؤسسة العسكرية التي تعتبر حامية للعلمانية الأتاتوركية في تركيا.
هناك كذلك تجربة عمر البشير في السودان الذي استبعد الإسلاميين من الحكم فور استتباب الأمور لصالحه...
ربما التجربة المتناقضة هي التي توجد الآن في العراق, حيث رجال دعوة في الماضي يسيرون الأمور بطريقة مختلفة تماما عما كانوا يؤمنون به ويدعون إليه في السابق ...
- كانت لك علاقات وثيقة مع العراق سنوات التسعينيات كيف تقيمها الآن؟
-- التسعينيات سبقتها الثمانينيات حيث كنت على خلاف مع القيادة العراقية السابقة خاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية التي ما زلت متأكدا لحد الآن من أن الرئيس العراقي الشهيد صدام حسين أخطأ فيها, كنت حينها أحد مؤيدي الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الإمام الخميني, وما زلت أتذكر أنني قضيت داخل مخفر الشرطة ثلاثة أيام تحقيق بسبب مقال نعيت فيه الإمام الخميني حين وفاته سنة 89. وكنت الوحيد في المغرب الذي كتب في جريدة مغربية (شروق) مقالا يشيد فيه بإنجازات الخميني.. وكان الملك الراحل الحسن الثاني على خلاف شديد مع الخميني رحم الله الجميع...
كنت أقول أن الرئيس صدام حسين ارتكب غلطة العمر حينما شن حربا ضروسا ضد إيران استمرت ثمان سنوات, ولولا تلك الحرب لما تعرض العراق لهذه المآسي ولكان صدام ما زال هو حاكم العراق الآن, لكن قدر الله وما شاء فعل.. كانت الخريطة التي رسمتها إيران الخميني هي إزعاج دول الخليج البترولية العميلة لأمريكا والغرب ولم يكن في أجندة الخميني محاربة العراق الذي استضافه خمسة عشرة سنة أو تزيد.
لكن أمريكا هي من شجعت صدام رحمه الله على شن حرب بالوكالة عنها ضد إيران وكان العالم كله يمد صدام بالأسلحة والجيش حتى, للقضاء على المارد الإسلامي الإيراني الذي كان خرج على التو من القمقم, وحيث أن الحرب انتهت بلا غالب ولا مغلوب فإن دول الخليج وفي مقدمتها الكويت والسعودية هي التي استفادت من تلك الحرب الضروس.وحين خرج العراق شبه منهك منها أبدت بعض دول الخليج حنقها على صدام ونظامه, وكل شيء كان مخطط له من قبل أمريكا راعية الإرهاب والفتنة في العالم. وهي محور الشر بكل المقاييس, وبدأت قصة أخرى بين العراق والكويت انتهت بدخول الجيش العراقي إليها وهروب العائلة الحاكمة من وطنها, وهذه المسألة تحدث لأول مرة في التاريخ, فما حدث أن هرب حاكم من بلده جراء دخول جيش دولة أخرى, ولا أود الاستطراد في التفاصيل.. لأصل بك إلى التسعينيات التي سألت عنها.
في حرب الخليج الثانية تغيرت الرؤى واختلفت القراءات فكان لي شخصيا أن أناصر" بقلمي" قائدا عربيا إنتقم لشرف بلده وشعبه.
وبالرغم مما حدث في العراق ويحدث الآن فإنني مازلت أرى في صدام حسين مثالا للشجاعة والقدوة, حتى لو كانت هذه الشجاعة مصحوبة أحيانا بالتهور وكان بإمكان صدام أن يغادر العراق ويعيش ملكا في أي دولة اختارها لكنه فضل أن يموت في بلده دفاعا عن الشرف والكبرياء, العراقيين.
ولا أعتقد أن أحدا من الحكام الجدد في العراق يستطيع أن يقود العراق كما قاده صدام, لقد حقق صدام للعراقيين والعراقيات بحبوحة من العيش لم يستمتعوا بها من قبل, وبالرغم من قساوته مع المعارضة فإن ذلك يعتبر ضروريا لاستتباب الأمن والنظام.
أنا لا أؤيد الحرية المطلقة, حرية الكلام والشعارات, أنا أومن بالدكتاتورية إذا كانت ضرورية. وكل الحكام في العالم وفي كل مكان وزمان يمارسون الدكتاتورية للضرورة فلماذا نعيبها على صدام وحده..
إن الحرية التي يتحدث عنها الكتاب والشعراء لا توجد إلا في خيالاتهم والدليل على هذا القول أن العديد من هؤلاء (الكتاب والشعراء) الذين كانوا يعارضون صدام بسبب دكتاتوريته, يمارسون نفس الشيء مع الحكام الجدد الذين أشفق عليهم كثيرا, لقد كان هؤلاء الحكام يبشرون العراقيين بالنعيم, وها هم العراقيون يعيشون اليوم في الجحيم, وما كانوا يعيبونه على صدام يمارسونه اليوم بالأضعاف.. لقد كانوا يعيبون عليه إعدام المعارضين وها هم اليوم يقتلون معارضيهم في الشارع وأمام الملأ.. بينما كان صدام يعدم معارضيه سرا, وقد شنقوا صدام نفسه صبيحة يوم عيد الأضحى المبارك, فهل فعل صدام مثل هذا؟ لا أعتقد مطلقا...
كنت أود أن يمارس الحكام الجدد – بالرغم من أنهم وصلوا للحكم عن طريق الدبابات الأمريكية أن يكونوا أكثر رحمة من صدام وأن يمتثلواإلى قول النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة فخاطب القوم: ماذا تظنون أنني فاعل بكم؟ فقالوا: أخ كريم وإبن أخ كريم فكان رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم "اذهبوا فأنتم طلقاء".
إن القيادات العراقية الجديدة كان حري بها أن تستحضر هذا الموقف النبوي الشهم والكريم,ولو كانوا فعلوا ذلك لوفروا الكثير من الدماء العراقية الغالية التي تسيل يوميا في الشوارع والأزقة, ولما تعرضت بنيات العراق للتخريب والتدمير وما بناه صدام هدمته المعارضة السابقة..إنهم عادوا لبلدهم من أجل النهب والإنتقام...
ولو كنت في موقع النصح لنصحت حكام العراق الجدد بالصفح والتسامح بالرغم من الدماء التي فاضت في العراق.. ولقلت لهم كفى.. لكنني لا أستطيع ذلك.. ولا شك أن أمريكا ستعارض نصيحتي...
وما أترجاه الآن أن يتعافى عراقنا.. وأن تكف العصابات الإجرامية والميليشيات عن ممارسة الفساد والإفساد في الأرض.
- ما هي رؤيتك لمستقبل العراق.. وتوقعاتك للسياسة الأمريكية وهي تتخبط في هذا المستنقع؟
-- أعتقد أن أمريكا إلى زوال والعراق إلى بقاء.. لقد سبق لي أن قلت في حديث صحفي لجريدة مغربية إبان الغزو الأمريكي للعراق.. بأن العراقيين سيقاتلون أمريكا وعملائها إلى يوم القيامة ؟
لن تخرج أمريكا من العراق مزهوة بالنصر, بل ستخرج خائبة مندحرة تجر وراءها أذيال الخيبة والهزيمة, لأن أمريكا لن تستطيع مواصلة الحرب إلى ما لا نهاية, والعراقيون قادرون على مواصلة الحرب إلى يوم القيامة كما أسلفت.. ومن جاءت به أمريكا سيرحل معها أو يفر هاربا والأسوأ مما ييتصوره العملاء أن أمريكا ستتخلى عنهم مثل ماحدث لعملاء إسرائيل خلا اندحارها من الجنوب اللبناني ...
إن الجنود الأمريكان يقاتلون بدون هدف, وهم يتساءلون لماذا أوتي بهم إلى هنا أما العراقيون فهم يقاتلون من أجل بلدهم ووطنهم, وذلك هدف نبيل يسترخص فيه المرء روحه وأبناءه وكل غال ونفيس لديه.
تلك هي توقعاتي...
- برأيك ما هو الدور الإيراني والخليجي وتحديدا السعودي في احتلال العراق؟
وهل ستغامر أمريكا بحرب ضد إيران؟
السعودية والكويت لا يمكن الحديث عنهما لأن هاتان الدولتان ساندتا الاحتلال في العلن, وبالتالي لا تستحقان حتى مجرد الكلام..
أما إيران فقد اعترف قادتها فيما بعد بأنه لولا مساعدتهم لما احتلت أمريكا العراق, وموقف إيران من الشهيد صدام حسين معروف ولا ضير على إيران فهي المستفيدة الوحيدة في العالم من هذه الحرب وهذا الإحتلال, وإذا صح اعتقادي فإن أمريكا لن تشن حربا أخرى على دولة أخرى, فأمريكا منهكة في أفغانستان والعراق وهي تسعى إلى الحفاظ على جزء من ماء وجهها للخروج من هاتين الدولتين وما يقال عكس ذلك مجرد استعراض للعضلات, ربما إسرائيل هي من تقوم بالدور هذه المرة فتشن هجوما مباغتا على المفاعل النووي الإيراني كما فعلت سنة 82 مع العراق.
- بصفتك مدير نشر جريدة الوطن ورئيس تحرير مفوض لجريدة غربال القرويين كيف تنظر للواقع الصحفي في المغرب؟
-- الواقع الصحفي في المغرب تقدم كثيرا.. لكن إلى الأسوأ وليس للأفضل..
هذا الكم الهائل من العناوين"الصحفاتية" المنتشرة بالأكشاك وعلى جنبات الأرصفة ليست كلها جرائد بالمعنى الحقيقي لكلمة جرائد, لكنها (جرائد....) وحسب, أكثر من 1000 عنوان لكن عثورك على صحيفة جيدة نادر وسط هذه الأكوام من الورق..
كنت قبل 15 سنة أطلقت عبارة "صحافة الخردة" على هذه الصحف التي ليست صحفا بقدر ما هي منشورات أغلبها مملوء بالزندقة ومعنون بأخبار كاذبة ومفبركة..
ممتهنو النشر عندنا لم يستغلوا الحرية إيجابيا التي تعززت كثيرا بمجيء الملك محمد السادس إلى الحكم..
- إذا تركنا "صحافة الخردة" جانبا وتحدثنا عن بعض الصحف الأخرى فإننا لم نجدها أقل كآبة من الأخرى, فالعديد من الصحف الأسبوعية والدورية اختارت عنصر الإثارة المجانية في عناوينها ومانشيتاتها, وبدل أن تساهم هذه الصحف في إثراء الحياة الفكرية والثقافية والسياسية في البلاد,فضلت أن تبحث عن" أسرار وهمية" غالبا ما تؤدي بها إلى المحاكم..
وأنا لا أعتبر "البحث" في أسرار القصر وحياة الملك والأميرات بالضرورية, خاصة وأن ما يسمونه ب"التحقيقات" أو"السبق الصحفي" في هذه المجالات غالبا ما ينبني على الظن والتخمين وكما في القرآن الكريم ف "إن الظن لا يغني من الحق شيئا "..
نقابة الصحفيين عندنا مع الأسف بدورها تركب الجوقة وتتبنى فكرة الانحياز لصحف بعينها دون أخرى, ونقابتنا عبارة عن قبيلة أو عشيرة تقتسم الغنائم فيما بينها. وبالتالي فإن هذه النقابة مشمولة بنظام الزوايا والأضرحة. وفي ظل هذه الفوضى فأنا لا أتوقع مستقبلا جيدا للصحافة عندنا...
-الإعلام العربي يخدم من؟
-- الإعلام العربي يخدم من يدفع أكثر, إلا من رحم بك.. والدلائل كثيرة, أحصرها في الصحافة التي كانت تمجد حزب البعث العراقي وقيادته, حينما كانت هذه القيادة تدفع الدولارات...
وحينما تغيرت الأمور قلبت هذه الصحف ظهر المجن وبدأت تطبل للدافعين الجدد.. والشارع العربي يعرف هذه الصحف جيدا, وفي عصرنا الحاضر أضيفت إليها القنوات التلفزيونية والمحطات الإذاعية.
- من هم الساسة الحقيقيون الذين سيحررون العرب..؟
-- أعتقد أن هؤلاء الساسة ماتوا كلهم.. ولا يوجد لدينا قائد عربي واحد اليوم يستطيع أن يصنع الحدث.. كلهم مدجنين وخائفين من أمريكا, وبالتالي يحرصون على كراسيهم أكثر من حرصهم على مصالع شعوبهم؟
الرباط 08 /11/2007
حاوره في الرباط :
خالد الخفاجي
كتبها عبد النبي الشراط الحسيني في 09:31 مساءً ::
اتعجب لرجل مستنير مثلك كيف ينطوي تحت عباءة العمدة.ان مكانك على ما يبدو ان صدقت النيات مع الاخوة في العدالة والتنمية فافكارك كما وردت في هذا الحوار تشبه افكارهم
لست من الذين يستقطبون للأحزاب بهذه الطريقة، حزب العدالة والتنمية غير جدير بالانتماء.
شكرا لك سيدي الكريم على مجاملتك اللطيفة .
بإمكاننا أن نتحاور بطرق مباشرة أو عن طريق الكتابة كما تشاء وأعطيك الدليل على أن حزبكم غير جدير بالاهتمام.
هذا مجرد توضيح.انا اعرف انك مستقطب حتى النخاع.اما ان حزب العدالة والتنمية غبر جدير بالانتماء فهذه نكتة كيف يكون الحزب الثاني على الاقل رسميا بهذا الاعتبار عندك.المهم هو الحوارانا شبح لااحب الظهورهذا هو قانون الانترنيت.اماتقييم الاحزاب فبيننا التاريخ هو الحكم.
العقلاء لا يتحدثون مع الأشباح,عذرا سيدي الشبح ..
إفعل مثلي ..حينما أقتنع بفكرة أو موقف فأنا لا أستحيي من الجهر به والإعلان عنه والدفاع عنه وأرفض دائما مبدأ التقية , لماذا جعلت للإنترنت قانونك الخاص ؟هاءنا أعلن عن رأيي وأساند عمدة فاس ولا حرج من لي في ذلك ما مشكلتك أنت مع العمدة أليس هو من أخرج فاس من الحضيض؟ لماذا تؤاخذون على الرجل وتتحاملون عليه بهذه الطريقة..
أدعو الله لك أن يعيدك إنسانا كما خلقك أول مرة ولا تبقى شبحا .. لأن الأشباح لا تساهم في التغيير.
ولكنك ايها العافل الفطن الذكي الكيس تتحدث هنا مع الاشباح.انت تساند عمدة فاس منذ متى التاريخ مهم.لانتحامل على الرجل بل على افعاله.القول اني شبح مجرد رمز انت نفسك كنت تكتب باسماء مستعارة باعترافك.اني انسان عافل هل صدقت ان شبحا يحاورك.هداك الله وعافاك
لندع القارئ يحكم بيننا في شان صدام الذي تعتبره شهيدا.هنا في الحوار اعلاه اعترفت انه ارتكب غلطة العمر حينما شن حربا ضد ايران .وان شجاعته مصحوبة بالتهور وبانه قاس مع المعارضة ووصفته بالدكتاتور .ولانستثني في كلامك ومع ذلك ...كيف تغير موقفك من تاييد ايران والخميني الى تاييد صدام انها مسالة مزاج عاطفي غير مبنية على مبدا او عقل.
أنا لا أؤيد الحرية المطلقة, حرية الكلام والشعارات, أنا أومن بالدكتاتورية إذا كانت ضرورية. وكل الحكام في العالم وفي كل مكان وزمان يمارسون الدكتاتورية للضرورة فلماذا نعيبها على صدام وحده..
(إن الحرية التي يتحدث عنها الكتاب والشعراء لا توجد إلا في خيالاتهم والدليل على هذا القول أن العديد من هؤلاء (الكتاب والشعراء) الذين كانوا يعارضون صدام بسبب دكتاتوريته, يمارسون نفس الشيء مع الحكام الجدد الذين أشفق عليهم كثيرا, لقد كان هؤلاء الحكام يبشرون العراقيين بالنعيم, وها هم العراقيون يعيشون اليوم في الجحيم, وما كانوا يعيبونه على صدام يمارسونه اليوم بالأضعاف.. لقد كانوا يعيبون عليه إعدام المعارضين وها هم اليوم يقتلون معارضيهم في الشارع وأمام الملأ.. بينما كان صدام يعدم معارضيه سرا, وقد شنقوا صدام نفسه صبيحة يوم عيد الأضحى المبارك, فهل فعل صدام مثل هذا؟ لا أعتقد مطلقا...)
الاسم: عبد النبي الشراط الحسيني
